حماية المدنيين في ظل النزاعات الرقمية والهجمات السيبرانية
بقلم الدكتور إيهاب أبو الشامات المدير التنفيذي -الهيئة الدولية لحماية المدنيين
يشهد العالم تناميًا سريعًا في النزاعات الرقمية والهجمات السيبرانية، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من النزاعات المسلحة الحديثة والاستراتيجيات العدائية بين الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية. لم تعد الهجمات السيبرانية تقتصر على سرقة البيانات أو تعطيل الشبكات، بل باتت تستهدف بنية تحتية حيوية أثارت تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على حياة المدنيين، مما يجعل حماية المدنيين في هذا السياق تحديًا قانونيًا وإنسانيًا مستمرًا.
الإطار القانوني الدولي للنزاعات الرقمية
يندرج استخدام الهجمات السيبرانية ضمن نطاق القانون الدولي الإنساني باعتباره وسيلة من وسائل الحرب ما دام يستخدم في سياق نزاع مسلح، ويشمل ذلك حماية البنية التحتية المدنية والبيانات المدنية ضد الهجمات الإلكترونية، وفق مبادئ تمييز الأهداف ومنع الضرر غير المتناسب.
تُظهر المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني أنه بالرغم من عدم وجود نصوص صريحة تخص النزاعات الرقمية في كافة الاتفاقيات التقليدية، فإن المفاهيم القانونية ذاتها التي تنطبق على النزاعات التقليدية تُستخدم لتقييم مشروعية الأعمال الرقمية التي قد تؤدي إلى أذى المدنيين.
أمثلة واقعية لهجمات سيبرانية وأثرها على المدنيين
1. هجوم على البنية التحتية للاتصالات في أوكرانيا
تعرضت شركة الاتصالات الأوكرانية “Kyivstar” لهجوم سيبراني واسع في ديسمبر 2023، مما أدى إلى تعطيل خدمات الهاتف والإنترنت لآلاف المستخدمين المدنيين، وهو مثال واضح على كيف يمكن للهجمات الرقمية أن تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للمدنيين، من تواصل مع ذويهم إلى وصول الخدمات الأساسية.
2. هجمات على البنية التحتية الحيوية حول العالم
تشير التقارير إلى تزايد الهجمات السيبرانية على قطاعات حيوية مثل الطاقة والرعاية الصحية والقطاع المالي، مما يزيد من احتمالات تعطيل الخدمات الأساسية للمجتمعات المدنية، بما في ذلك الخدمات الصحية والطاقة والمياه.
3. هجوم رانسوموير على البنية التحتية للنقل البحري
في يوليو 2021، شهد ميناء دوربان (Transnet) واحدًا من أبرز الهجمات باستخدام برمجيات الفدية، مما أدى إلى تعطيل العمليات في العديد من المحطات الحاويات في جنوب إفريقيا، مما له تأثير في التجارة والاقتصاد المحلي، وبالتالي على المدنيين المعتمدين على هذه الخدمات.
4. هجمات صغيرة على الأنظمة الحكومية
رغم أنها “محدودة”، تواجه بعض الدول العربية هجمات على أنظمتها الحكومية، ما يعكس تصاعد التهديدات الرقمية حتى في البلدان التي لم تتعرض لهجمات شاملة بعد، مما يبرز الحاجة لتعزيز الحماية والاستعداد الرقمي.
تأثير الهجمات السيبرانية على المدنيين
1. تأثير مباشر على حياة المدنيين
عندما تستهدف الهجمات السيبرانية بنية تحتية مثل المستشفيات أو خدمات الكهرباء والمياه، ينتج عنها تأثيرات مباشرة تشمل تأخر الخدمات الصحية، تعطيل المرافق الحيوية، وتدهور جودة الحياة، وهو ما يعتبر مشابهًا للهجمات المادية في النزاعات التقليدية من حيث الأثر الإنساني.
2. تأثير غير مباشر عبر تعطل الخدمات
تعطيل شبكات الاتصالات أو خدمات الدفع الإلكتروني يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية واجتماعية تؤثر على المدنيين في الحصول على الموارد اليومية، وتزيد من هشاشة الفئات الضعيفة.
3. زيادة مخاطر الأمن الرقمي
الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الرقمية في التعليم، الصحة، الاقتصاد، والنقل يجعل المدنيين عرضة لخسائر غير مباشرة في حال استهداف هذه الأنظمة، مما يستدعي تعزيز أمن البيانات والبنى التحتية الرقمية.
التحديات الراهنة في حماية المدنيين في النزاعات الرقمية
1. التمييز وغياب الوضوح القانوني: صعوبة تطبيق مبادئ القانون الدولي الإنساني التقليدية على النزاعات الرقمية بشكل مباشر في غياب نصوص صريحة تحدد معالم الهجمات السيبرانية.
2. تحديد هوية المهاجم: في كثير من النزاعات الرقمية، يكون من الصعب تتبع الجهة المسؤولة نتيجة التًخفي والتعقيد التقني في الهجمات.
3. تعقيد البنى التحتية الرقمية: التعقيد التكنولوجي يخلق صعوبات في تحديد الأهداف المرتبطة عسكريًا وتلك المرتبطة بالمدنيين، ما يزيد من احتمالات الضرر غير المقصود.
استراتيجيات تعزيز حماية المدنيين في النزاعات الرقمية
1. التطوير القانوني والسياسي: السعي نحو اتفاقيات دولية ملزمة تنظم النزاعات الرقمية وتحدد العقوبات على الهجمات التي تستهدف المدنيين أو البنى التحتية الحيوية.
2. تعزيز الأمن السيبراني للبنية التحتية المدنية: الاستثمار في تحديث الإجراءات الأمنية، تدريب الكوادر، واستخدام أنظمة إنذار مبكر لرصد التهديدات الرقمية.
3. التعاون الدولي: تبادل المعلومات بين الدول والمنظمات الدولية لتنسيق الردود على الهجمات السيبرانية والحد من تأثيرها على المدنيين.
4. التوعية العامة: نشر الثقافة الرقمية الآمنة بين المجتمعات المدنية لضمان استعداد الأفراد والمؤسسات في مواجهة الهجمات السيبرانية.
وأخيرا؛
يحتاج تزايد النزاعات الرقمية والهجمات السيبرانية إلى فهم أعمق وتفعيل أسرع للآليات القانونية والتقنية التي تحمي المدنيين. إن حماية المدنيين في هذا السياق ليست مجرد تحدٍ تقني، بل مسؤولية دولية مشتركة تتطلب تعاونًا قانونيًا، سياسياً، وتقنياً لضمان أمن البنى التحتية الحيوية، والحياة اليومية للمجتمعات المدنية في عالم رقمي متسارع.