جرائم الحرب في النزاعات السيبرانية: تحديات حماية المدنيين في الفضاء الرقمي
بقلم الدكتور إيهاب أبو الشامات
المدير التنفيذي للهيئة الدولية لحماية المدنيين
أولًا: مقدمة عامة
أدى التحول الرقمي المتسارع إلى بروز شكل جديد من النزاعات المسلحة، لم يعد مقتصرًا على البر والبحر والجو، بل امتد إلى الفضاء السيبراني. وقد أفرزت هذه النزاعات تحديات قانونية وإنسانية غير مسبوقة، خصوصًا فيما يتعلق بحماية المدنيين من الهجمات الرقمية التي قد تُخلّف آثارًا مادية وإنسانية جسيمة ترقى، في بعض الحالات، إلى جرائم حرب.
ثانيًا: الإطار القانوني الدولي الناظم للنزاعات السيبرانية
رغم غياب معاهدة دولية متخصصة تنظم النزاعات السيبرانية بشكل صريح، إلا أن القانون الدولي الإنساني التقليدي يظل واجب التطبيق، استنادًا إلى مبدأ ثبات القواعد وتحييد الوسائل.
ويشمل ذلك:
اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949
البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977
قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي
وتؤكد المادة 36 من البروتوكول الأول التزام الدول بتقييم أي وسيلة أو أسلوب قتال جديد، بما في ذلك الوسائل السيبرانية، لضمان توافقه مع القانون الدولي.
ثالثًا: متى تشكّل الهجمات السيبرانية جرائم حرب؟
يمكن تصنيف الهجمات السيبرانية كـ جرائم حرب إذا استوفت الشروط التالية:
1. استهداف الأعيان المدنية
تنص المادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول على حظر استهداف الأعيان المدنية.
وعليه، فإن الهجمات السيبرانية التي تعطل:
شبكات الكهرباء
أنظمة المياه
المستشفيات
أنظمة الطيران المدني
قد تشكل جريمة حرب إذا أدت إلى أضرار جسيمة بالمدنيين.
2. انتهاك مبدأ التمييز
يفرض القانون الدولي الإنساني التمييز الصارم بين الأهداف العسكرية والمدنية.
الهجمات السيبرانية العشوائية، التي لا يمكن حصر آثارها التقنية، تُعد مخالفة للمادة 48 من البروتوكول الأول.
3. الإضرار ببقاء السكان المدنيين
تُجرّم المادة 54 من البروتوكول الأول أي هجوم يستهدف الأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين.
وتشمل هذه القاعدة الهجمات الرقمية التي تعطل أنظمة:
توزيع الغذاء
المستشفيات الرقمية
سلاسل الإمداد الحيوية
رابعًا: المسؤولية القانونية والمساءلة الدولية
ينص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (المادة 8) على أن أي وسيلة تُستخدم لارتكاب هجوم محظور قد تُشكل جريمة حرب، بغض النظر عن طبيعتها التقنية.
كما يمكن تفعيل:
مبدأ الولاية القضائية العالمية
مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دوليًا
مسؤولية القادة العسكريين والمدنيين عن الهجمات السيبرانية التي تقع تحت سيطرتهم الفعلية
خامسًا: التحديات العملية في حماية المدنيين سيبرانيًا
تشمل أبرز التحديات:
صعوبة تحديد مصدر الهجوم (Attribution)
الطبيعة العابرة للحدود للهجمات السيبرانية
إشراك فاعلين من غير الدول
ضعف البنية القانونية الدولية المتخصصة
سادسًا: توصيات أممية لتعزيز حماية المدنيين
يوصي هذا التقرير بما يلي:
الاعتراف الصريح بتطبيق القانون الدولي الإنساني على النزاعات السيبرانية
تحييد البنية التحتية المدنية الرقمية عن النزاعات المسلحة
تطوير آلية أممية مستقلة للتحقيق في الهجمات السيبرانية
إدراج حماية المدنيين الرقميين ضمن قرارات مجلس الأمن ذات الصلة
دعم بناء القدرات الوطنية لحماية البنية الرقمية المدنية
الخاتمة
لم تعد حماية المدنيين مسألة مرتبطة فقط بساحات القتال التقليدية، بل أصبحت تمتد إلى الفضاء الرقمي الذي بات جزءًا لا يتجزأ من الحياة المدنية. إن تجاهل البعد الإنساني للنزاعات السيبرانية يهدد بتقويض أحد أهم منجزات القانون الدولي الإنساني، ويستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا يواكب طبيعة الحروب الحديثة دون التفريط بالمبادئ الأساسية لحماية الإنسان.