حماية المدنيين في اليمن: تحليل أعمق للضرر والتحديات والاستراتيجيات

بقلم الدكتور إيهاب أبو الشامات، المدير التنفيذي للهيئة الدولية لحماية المدنيين

تشكل الحرب في اليمن واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم المعاصر، إذ تواجه ملايين الأسر المدنيين أخطارًا مباشرة وإكراهات غير مباشرة تهدد حياتهم وسبل عيشهم. منذ اندلاع النزاع في 2014، توسّعت دائرة العنف لتشمل أطرافًا متعددة، بما فيها القوات الحكومية والتحالفات الإقليمية وفصائل متعددة، ما أدى إلى وقوع ضحايا مدنيين بأعداد كبيرة وهشاشة فوق مستويات النزاعات التقليدية.
الأثر الإنساني للنزاع على المدنيين
تشير تقارير ومصادر متعددة إلى أن الحرب في اليمن أدت إلى خسائر بشرية ومادية هائلة:
الخسائر البشرية: قُتل أو جُرح عشرات الآلاف من المدنيين، وتوثّق الشبكات الحقوقية مقتل ما لا يقل عن 21,946 مدنياً منذ 2014 حتى منتصف 2025، منهم آلاف النساء والأطفال، نتيجة القصف العشوائي، الألغام الأرضية، والتصفية الميدانية.
الأزمة الإنسانية: يواجه نحو 80% من السكان الحاجة للمساعدات الإنسانية والحماية، وسط انهيار الخدمات الأساسية وتدهور الأمن الغذائي.
انتهاكات إضافية: تشمل حالات خطيرة من الاحتجاز التعسفي، الاختفاء القسري، والتعذيب من قبل أطراف النزاع، ما يزيد من معاناة المدنيين ويشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
العوامل التي تُفاقم خطر المدنيين
1. العمليات العسكرية العشوائية: يستمر استخدام الضربات الجوية والقصف المدفعي في المناطق السكنية، ما يؤدي إلى قتل المدنيين وتدمير المنازل والمدارس والمشافي.
2. المناطق الملغمة: الألغام الأرضية المنتشرة تشكل تهديدًا دائمًا للمدنيين، بما في ذلك الرعاة وأطفالهم بعد سنوات من القتال.
3. انقطاع المساعدات: القيود على وصول المساعدات الإنسانية والحصار المفروض على بعض المناطق يزيد من معدلات الجوع والمرض داخليًا.
4. التقيّد المحدود بالقانون الدولي الإنساني: عدم احترام قواعد حماية المدنيين من قبل أطراف النزاع يؤدي إلى استمرار الانتهاكات بلا مساءلة فعالة.
التحديات القانونية والإنسانية
عدم الامتثال الكامل للمعاهدات الدولية: رغم أن اتفاقيات جنيف وغيرها من الأطر القانونية تُلزم أطراف النزاع بحماية المدنيين، فإن التطبيق على الأرض في اليمن ظل محدودًا، مما أسفر عن استمرار الخسائر.
استهداف المرافق المدنية: تدمير المراكز الصحية، المدارس، وأماكن تجمع المدنيين يمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني ويزيد من معاناة السكان.
التقييد على العمل الإنساني: حالات اعتقال موظفين دوليين وعاملين في الإغاثة تُعرّض جهود تقديم المساعدات للخطر، كما تؤدي إلى توقف برامج إنقاذ الحياة في بعض المناطق.
استراتيجيات تعزيز حماية المدنيين
1. تعزيز الامتثال الدولي: على جميع الأطراف احترام مبادئ القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك تجنب الهجمات العشوائية على المدنيين والمرافق المدنية.
2. تفعيل آليات المساءلة: دعم التحقيقات الدولية المستقلة لمحاسبة منتهكي حقوق المدنيين، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الكبرى.
3. ضمان وصول المساعدات الإنسانية: العمل على إزالة العوائق أمام وصول الإغاثة إلى جميع المناطق المضطربة، وتنسيق الجهود بين المنظمات الدولية والمحلية.
4. حماية البنى التحتية الحيوية: تنفيذ برامج لاستعادة وحماية الخدمات الأساسية كالمياه، الكهرباء، والرعاية الصحية.
5. آليات لحماية خصوصيات الفئات الضعيفة: توفير حماية إضافية للأطفال، النساء، وكبار السن الذين يتحملون وطأة أكبر للعنف وانعدام الأمن.
وأخيرا؛
يبقى المدنيون في اليمن هم الضحايا الرئيسيون لصراع معقد ومتعدد الأوجه. إن حماية المدنيين تتطلب تضافر جهود المجتمع الدولي، تعزيز الامتثال للقانون الدولي الإنساني، وتفعيل آليات المساءلة. إن التقاعس عن تنفيذ ذلك لا يؤدي فقط إلى استمرار المعاناة، بل يقوّض أي فرصة لتحقيق سلام مستدام في اليمن والمنطقة.

المزيد....
آخر الأخبار