حماية المدنيين وانتهاكات جرائم الحرب في ميانمار
بقلم الدكتور إيهاب أبو الشامات، المدير التنفيذي للهيئة الدولية لحماية المدنيين
شهدت ميانمار منذ الانقلاب العسكري في فبراير 2021 تصاعدًا حادًا في النزاع بين القوات المسلحة (Tatmadaw) والفصائل المعارضة، ما أدى إلى سلسلة من الانتهاكات الخطيرة بحق المدنيين تُرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. هذه الجرائم لا تمس فقط الضحايا المباشرين، بل تُقوّض الأطر القانونية الإنسانية الدولية وتثير أسئلة حاسمة حول فاعلية آليات الحماية والمساءلة الدولية.
سياق النزاع في ميانمار
بعد الانقلاب العسكري، تصاعدت الاحتجاجات المسلحة المعارضة للانقلاب، تلاها حملة قمع واسعة من الجيش ضد المدنيين والمناطق السكنية. النزاع تحول سريعًا إلى حرب أهلية متعددة الجبهات بين القوات الحكومية وبعض الفصائل المسلحة العرقية، مما تسبب في انهيار الخدمات الأساسية ونزوح جماعي للسكان.
انتهاكات جسيمة بحق المدنيين
تشير التقارير إلى أن قوات الجيش الميانماري وفصائل موالية لها ارتكبت جرائم حرب متعددة تتضمن:
1. الغارات الجوية على المناطق المدنية: وفق تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، شنت السلطات 2,471 غارة جوية في الفترة بين فبراير 2021 وأبريل 2024، أدت إلى مقتل أكثر من 1,295 مدنيًا وإصابة أكثر من 1,634 آخرين، ومن بينهم نساء وأطفال، فضلًا عن تدمير المرافق المدنية مثل المدارس والمستشفيات.
2. التدمير المنهجي للبنية الاجتماعية: شملت عمليات الجيش تدمير القرى، إحراق المنازل، ونهب الممتلكات، ما جعل المدنيين عرضة للخطر ومحرومين من مصادر رزقهم.
3. الاعتقالات التعسفية والتعذيب: وثقت منظمات حقوق الإنسان حالات احتجاز غير قانوني، تعذيب، وإساءة معاملة للمعتقلين المدنيين والمشتبه في انتمائهم للفصائل المعارضة، في انتهاك صريح للمعايير الدولية.
هذه الانتهاكات لا تُعد مجرد خرق للقانون الدولي الإنساني، بل تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، باعتبارها تستهدف المدنيين بشكل مباشر أو غير مباشر وتلحق بهم أذى جسيمًا.
الأطر القانونية وتحديات المساءلة
يعتمد القانون الدولي الإنساني على مبادئ تمييز الأهداف، وحماية المدنيين، وعدم التسبب في أذى غير مبرر. ورغم أن هذه المبادئ واضحة في اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية، فإن تنفيذها على الأرض في سياق ميانمار ظل محدودًا للغاية.
التحديات الأساسية تشمل:
صعوبة الوصول للمناطق المتضررة نتيجة القيود الأمنية المفروضة من قبل الجيش.
غياب آليات محلية فعّالة لمساءلة مرتكبي الانتهاكات، ما يدفع إلى الاعتماد على محاكم دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، رغم أن عضوية ميانمار في نظام روما ضعيفة أو غير واضحة.
تعقيد تورط جهات متعددة في النزاع، ما يزيد صعوبة تحديد المسؤوليات بدقة ومساءلة الأفراد المنفذين أو الآمرين.
التداعيات الإنسانية على المدنيين
أدت الانتهاكات الجسيمة في ميانمار إلى أزمات إنسانية متعددة، تتضمن:
نزوح جماعي واسع إلى مناطق داخلية وخارج الحدود، ما يفاقم أعباء اللجوء واللاإستقرار في دول الجوار.
انهيار الخدمات الصحية والتعليمية في المناطق المتأثرة، ما يؤثر بشكل خاص على الأطفال والنساء.
عمالة الأطفال وزيادة هشاشة الأسر نتيجة النزاع المستمر وفقدان سبل العيش.
هذه التداعيات تسلط الضوء على أن جرائم الحرب لا تقتصر آثارها على اللحظة، بل تمتد لتشكل أجيالًا من الفقر والمعاناة.
استراتيجيات الحماية والمساءلة
لمواجهة هذا الواقع، ينبغي تبني استراتيجيات متعددة المستويات تشمل:
1. تعزيز آليات المساءلة الدولية: دعم التحقيقات المستقلة التي تقودها الأمم المتحدة والمحاكم الدولية لتقديم مرتكبي الجرائم أمام العدالة.
2. دعم الوصول الإنساني: فتح الممرات الإنسانية بدون عوائق لتلبية الاحتياجات الأساسية للمدنيين في المناطق المتضررة.
3. التوعية والتدريب على القانون الدولي الإنساني: تقديم برامج تدريبية للأطراف المتحاربة حول قواعد حماية المدنيين.
4. دعم المجتمع المدني المحلي والمنظمات الإنسانية: تمكين المنظمات غير الحكومية العاملة على الأرض لتوثيق الانتهاكات ودعم الضحايا.
وأخيرا
إن ما يحدث في ميانمار يشكل مثالًا صارخًا على كيفية تحول النزاع الداخلي إلى بيئة تسمح بارتكاب انتهاكات خطيرة بحق المدنيين تندرج تحت جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية. يتطلب ضمان الحماية الحقيقية للمدنيين جهودًا دولية موحدة، وآليات قانونية صارمة للمساءلة، وإرادة سياسية قوية لإنهاء دورة العنف المستمرة.