الغاز التركي وصل إلى حلب…ولكن هل هو إنقاذ اقتصادي؟ أم هناك مصالح سياسية ناعمة؟ 3 دول وقّعت قبل سوريا … فماذا حدث؟

د. إيهاب أبو الشامات – المحامي والمستشار الاقتصادي – يكشف في مقال له :
▪️ من يقف خلف أنبوب الغاز؟
▪️ ما هي الأهداف سياسيًا؟
▪️ وما خطوات “الشرع” لحماية السيادة؟
قراءة لا بدّ منها لكل سوري معني بمستقبل بلده
أنقرة تمدّ الأنبوب… والشرع يُشهر السيادة: فخ الغاز التركي تحت المجهر السوري
بقلم: د. إيهاب أبو الشامات – مستشار قانوني واقتصادي
بيروت، 1 آب 2025

أنبوب الغاز إلى حلب… نعمة اقتصادية أم لعبة جيوسياسية؟

في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ 2011، يبدأ في 2 آب 2025 تشغيل خط أنابيب جديد لتزويد مدينة حلب السورية بالغاز الطبيعي، انطلاقًا من ولاية كيليس التركية، بتمويل مشترك من قطر وأذربيجان، وبموافقة تركية رسمية.
يُنفّذ المشروع تحت غطاء إنساني لدعم التعافي، لكنه في جوهره تحرّك جيوسياسي معقّد.
الاتفاق يقضي بأن تُورّد تركيا نحو 1.2 مليون متر مكعب يوميًا من الغاز إلى المنطقة الصناعية في الشيخ نجار بحلب، على مدى ثلاث سنوات مبدئية قابلة للتمديد.
التمويل يُقسَّم بين الجانب القطري (دعم لوجستي وتمويلي)، وشركة Socar الأذربيجانية التي توفّر الغاز المصدر عبر شبكة TANAP.
الغاز لن يُباع مباشرة لسوريا بل يُقدّم كجزء من آلية دعم صناعي لمناطق الإنتاج في الشمال السوري، عبر شركات تشغيل محلية مُرخّصة من الجانب السوري، ضمن رقابة مشتركة بين الرئاسة السورية والمؤسسة العامة للنفط.

تركيا… طموح الغاز ومشروع النفوذ

رغم أن تركيا لا تُصنّف من كبار منتجي الغاز، إلا أنها تسعى منذ أكثر من عقد لتكون مركزًا إقليميًا لتوزيعه، مستفيدة من موقعها بين الشرق والغرب، وارتباطها بشبكات الغاز الروسية، الأذربيجانية، والإسر.ا.ئيلية سابقًا.
لكنّ طموح أنقرة لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يشمل النفوذ السياسي في الدول التي تمر بها أنابيبها.
فالتاريخ يُظهر أن خطوط الغاز التركية ليست محايدة سياسيًا، بل تُستخدم كأداة للتأثير الناعم، وأحيانًا للضغط الصلب.

ثلاث دول وقعت في فخ الغاز التركي

1. اليونان (2007):

ربطت شبكة الغاز بين تركيا واليونان عام 2007 ضمن مشروع TAP. لكن مع الوقت، أصبح اعتماد أثينا على الغاز التركي ورقة ضغط غير مباشرة استُخدمت أثناء النزاعات البحرية في شرق المتوسط وأزمات الهجرة.

2. ليبيا (2019):

وقّعت حكومة طرابلس اتفاقًا بحريًا مع أنقرة، شمل امتيازات بحرية ومشاريع طاقة. النتيجة: دخول تركيا إلى غرب ليبيا عبر الغاز والموانئ، وتحولها إلى طرف فاعل في القرار السيادي الليبي.

3. الكيا.ن الإ.سر.ا.ئيلي (2016-2019):

بدأت مفاوضات لنقل غاز شرق المتوسط إلى أوروبا عبر الأراضي التركية، لكن المشروع توقّف لاحقًا، بسبب خشية تل أبيب من فقدان السيطرة الاستراتيجية على صادراتها لصالح أنقرة.
سوريا… تحوّط شرعي وقيادة لا تنخدع بسهولة
منذ تسلّمه الرئاسة في كانون الأول 2024، تبنّى الرئيس أحمد الشرع سياسة واضحة تقوم على عدم الارتهان لأي محور طاقي، شرقًا أو غربًا، وأعلن أن أي شراكة اقتصادية يجب أن تمر عبر مصفاة السيادة الوطنية.

خطوات ملموسة ترجمت هذا التوجّه:

. مراجعة شاملة للاتفاقيات مع روسيا في مجالات الطاقة والإنشاءات.
.تعليق تفاهمات غازية مع إيران إلى حين تعديل بنود التوريد والتحكيم.
. رفض التوقيع على أي مشروع غازي دون إشراف مباشر من رئاسة الجمهورية وموافقة مجلس السيادة الاقتصادي.
. إطلاق الحوار الاقتصادي الوطني الذي أسّس لأطر رقابة مجتمعية وتشريعية على ملفات الغاز والطاقة.
. إعادة هيكلة وزارة الطاقة، وجعلها تابعة للرئاسة، بعد رصد مخالفات سابقة في ترسية العقود.
هذا الحذر لا يُلغي الانفتاح على مشاريع الطاقة، لكنه يُقيّدها بضوابط سيادية صارمة.

الأنبوب الجديد… ما الذي سيحدث فعلياً؟

-الكمية الموردة: 1.2 مليون متر مكعب يومياً.
-المدة الزمنية: 3 سنوات أولية قابلة للتمديد
-الممولون: قطر (تمويل لوجستي + ضمانات)، أذربيجان (الغاز)، تركيا (البنية التحتية والربط)
-الجهة السورية المُستفيدة: المؤسسة العامة للنفط، بالشراكة مع شركات تشغيل صناعية في حلب
-المجال الجغرافي المغطى: المنطقة الصناعية في الشيخ نجار ومحيطها
-آلية التنفيذ: توريد مباشر من شركة BOT تركية – أذربيجانية، مع احتساب تكلفة رمزية للمتر المكعب لتمويل الصيانة.
مقترح استراتيجي لسوريا الجديدة: الغاز أداة سيادة… لا تبعية

1. الاستفادة المؤقتة دون الاعتماد الهيكلي

.دعم التشغيل المؤقت للمصانع المتوسطة شمال البلاد.
. تخفيف الضغط على الشبكة الوطنية للطاقة الكهربية.
. إنشاء مخزون غاز صناعي استراتيجي تحسّبًا لأي توقف مفاجئ.

2. صياغة قانونية محكمة للاتفاق:

. تضمين بنود مثل: التحكيم الدولي – القوة القاهرة – منع تسييس التوريد.
. إدراج شرط يقضي بإلغاء الاتفاق في حال الإخلال بمبدأ السيادة.

3. تنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن تركيا

. تسريع مشاريع الطاقة الشمسية والرياح في الوسط والجنوب.
. التفاوض مع العراق وروسيا حول خطوط أنابيب من الجنوب.
. إطلاق محطات غازية داخلية بنظام BOT، بتمويل محلي وإشراف الدولة.

وأخيراً سوريا تقترب… لكن بشروطها

الغاز التركي قد يبدو فرصة واعدة لإحياء عجلة الإنتاج في حلب، لكنه ليس مشروعًا بريئًا تمامًا. فالتجارب السابقة تُظهر أن أنقرة لا تمرر الغاز مجانًا.
إلا أن القيادة السورية، بقيادة أحمد الشرع، تقترب من الأنبوب بحذر ناضج، وترفض أن تكون مثل الدول التي وقّعت ثم دفعت الثمن.
إنها سوريا ما بعد الحرب… تملك جراحها، لكنها لا تفقد بوصلتها.
تتّجه نحو الطاقة… لكن بعيون مفتوحة، وورقة السيادة في اليد.

المزيد....
آخر الأخبار