الاعتداءات على العاملين الإنسانيين في مالي: تقاعس دولي أم فشل في تطبيق القانون الدولي؟
بقلم: د. إيهاب أبو الشامات
المدير التنفيذي للهيئة الدولية لحماية المدنيين
في 29 يوليو 2025، أقدمت جماعة مسلحة في شمال مالي على استهداف قافلة إنسانية تابعة لإحدى المنظمات الدولية غير الحكومية، مما أسفر عن مقتل 6 من طاقمها واختطاف اثنين آخرين، لا يزال مصيرهما مجهولًا حتى الآن. الهجوم، الذي وقع في منطقة غاو، يأتي ضمن سلسلة من الاعتداءات الممنهجة التي طالت العاملين في مجال الإغاثة خلال السنوات الأخيرة في الساحل الإفريقي، ما يضع المجتمع الدولي مجددًا أمام اختبار مصداقية النظام القانوني الدولي وقدرته على حماية من يفترض أنهم الأكثر حصانة.
خرق واضح لمبدأ الحماية الخاصة
يقرّ القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، بالحماية الخاصة للعاملين في المجال الإنساني، وينص على ضرورة احترامهم وتأمين مرورهم وأداء مهامهم دون تهديد أو تقييد. ومع ذلك، فإن ما نشهده في مالي — كما في دول أخرى — هو نمط متكرر من الإفلات من العقاب، يشي بأن القوانين المكتوبة تفقد فاعليتها عندما تغيب الإرادة السياسية لتطبيقها أو آليات المحاسبة الحقيقية.
الحصانة لا تعني الإفلات
تكمن المفارقة القانونية في أن من يفترض أنهم محميون بموجب “حصانة قانونية” – كالفرق الطبية والإغاثية – يصبحون اليوم أهدافًا مباشرة، إما بسبب استخدامهم كورقة ضغط، أو بسبب العجز في التصنيف القانوني للصراعات المعاصرة التي تجمع بين الجماعات المسلحة والسلطات الهشة.
ويعيد هذا الحادث في مالي إلى الأذهان سلسلة تقارير صدرت عن منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”الصليب الأحمر”، حذّرت من أن وتيرة الهجمات على العاملين الإنسانيين قد ارتفعت بنسبة تجاوزت 65% في مناطق النزاع غير التقليدية، مثل بوركينا فاسو، تشاد، والنيجر.
المجتمع الدولي: بين التنديد والفعل
رغم الإدانات الدولية المتكررة للهجمات على العاملين الإنسانيين، لا تزال آليات المحاسبة محدودة وضعيفة. مجلس الأمن، حتى الآن، لم يخصص جلسة طارئة واحدة لمناقشة تصاعد هذه الجرائم في مالي. ولم تُفعّل بعد بنود القرار 2286 (2016) المتعلق بحماية الطواقم الطبية والإنسانية بشكل فعلي في هذه المنطقة.
وما يزيد الطين بلة، هو صمت المنظمات الإقليمية، مثل الاتحاد الإفريقي، أو اكتفاؤها بالتصريحات الرمزية.
مسؤولية مشتركة ومزدوجة
إنّ الهيئة الدولية لحماية المدنيين ترى أن المسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره، وليس فقط على الأطراف المحلية في النزاع. يجب على الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف أن تمارس ضغوطًا دبلوماسية واقتصادية على الجماعات أو الدول التي تخرق هذه الالتزامات. كما ندعو إلى دعم إنشاء آلية مستقلة لتوثيق الجرائم ضد العاملين الإنسانيين، وملاحقة مرتكبيها أمام القضاء الدولي أو الوطني.
خاتمة
حادثة مالي ليست استثناءً، بل نتيجة حتمية لتراكم الفشل في الردع، والانفصال بين نصوص القانون وممارسات الحرب. إن استمرار هذا الاتجاه يعني مزيدًا من الدماء، ليس فقط من المدنيين، بل من أولئك الذين يكرّسون حياتهم لإنقاذهم.
إن الهيئة الدولية لحماية المدنيين تضع هذه الحادثة أمام المجتمع الدولي كمحكّ للضمير القانوني والإنساني. وسنواصل رفع الصوت والمطالبة بمحاسبة عادلة، لأن حماية من ينقذون الأرواح لا يجب أن تكون اختيارًا، بل التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا لا يحتمل المساومة.